الشيخ اللاوي :” كلما تقدم الضمير تقدمت الأمم وكلما تأخر تأخرت “

img
مقالاات 0 dar

يقول الشيخ عبدالرحمن اللاوي : تزوج مسلم من استرالية غير مسلمة فخرجا بسيارتهما الخاصة في يوم من الأيام وبينما هما في طريقهما للنزهة في أحد المنتزهات وكانت الزوجة تقود السيارة فسألت زوجها عن الكيس الذي فيه بقايا وفضلات الطعام الذي كان يأكل منه لأنهما اقتربا من صندوق القمامة. فقال لها مستهترا :ألقيته من شباك السيارة منذ أكثر من نصف ساعة فغضبت غضبا شديدا ورجعت بالسيارة 50 كم حتى وجدت الكيس فنزلت ورفعته من على الأرض وحملته معها في السيارة حتى اقتربت مرة أخرى من صندوق القمامة فنزلت وألقته فيه…….جالت هذه القصة الواقعية في خاطري وأنا أسمع أحد المعتمرين العائدين من العمرة قريبا وهو يقص علي أن القائمين على النظافة في الحرم يستخرجون أكثر من سيارة قمامة من صحن الحرم نفسه بين الحين والآخر….. فرددت في نفسي : المرأة الاسترالية حريصة على نظافة الشارع وكثير من المسلمين ليس حريصا على نظافة الحرم وهو المقدس!!. عندهم. ….ولقدجاء الإسلام ليوقظ في الإنسان الضمير من خلال تربية إيمانية لا تجد لها مثيلا يقول – تعالى -: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [المجادلة:7]

و لما جاء رجلان إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يختصمان في قطعة أرض، كل واحدٍ منهما يدعي أنها له، وليس معه بينه وقد ارتفعت أصواتهما، فقال صلى الله عليه وسلم : “إنكم تختصمون إلي وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع منكم، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه فإنما يقتطع له قطعة من النار يأتي بها يوم القيامة”البخاري .

فلقد أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحرك فيهم الوازع الإيماني الذي يجعل الضمير حيا يقظا ينظر إلى الخير فيأتيه وينظر إلى الشر فيجتنبه.
،

يقول بعض العلماء والضمير هو تلك القوة الروحية التي تحكم مواقف الإنسان وتفكيره، وهو منحة من الله للإنسان يدله بها على الخير والشر، وكيف يكسب الرضا والراحة النفسية.
ولذلكَ ضَربَ اللهُ مثلاً لذلكَ بيوسفَ -عليه السلام- حينما حجَزَهُ ضميرُه عن الانجرافِ وراءَ الهوى، وقال: (مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) [يوسف: 23]

ولما انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى وتولى سيدنا أبو بكر -رضي الله عنه- الخلافة عين سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قاضيًا على المدينة، فمكث عمر سنة كاملة لم يختصم إليه اثنان، لم يعقد جلسة قضاء واحدة، وعندها طلب من أبي بكر إعفاءه من القضاء، فقال أبو بكر: أمن مشقة القضاء تطلب الإعفاء يا عمر؟ قال عمر: لا يا خليفة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولكن لا حاجة بي عند قوم مؤمنين.
عرف كل منهم ما له من حق، فلم يطلب أكثر منه، وما عليه من واجب فلم يقصر في أدائه، أحب كل منهم لأخيه ما يحب لنفسه، إذا غاب أحدهم تفقدوه، وإذا مرض عادوه، وإذا افتقر أعانوه، وإذا احتاج ساعدوه، وإذا أصيب عزوه وواسوه، دينهم النصيحة، وخلقهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ففيمَ يختصمون؟

وللأسف تجد أقواما أشبه بالملائكة وهم بين الناس وبالشياطين إذا خلا أحدهم بنفسه! وذلك لأن هؤلاء لاضمير لهم ولا إيمان يقول – تعالى -: (وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا * يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا) [النساء: 107- 108].
أي “يستترون من الناس خوفًا من اطلاعهم على أعمالهم السيئة، ولا يستترون من الله -تعالى-، وهو عزَّ شأنه معهم مطلع رقيب عليهم في كل زمان ومكان.

وعن سيدنا ثوبان مولى رسول اللّه – صلى الله عليه وسلم – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنّه قال: “لأعْلَمَنّ أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسناتٍ أمثال جبال تهامة بيضاً، فيجعلها اللّه – عز وجل – هباء منثوراً”، قال ثوبان: يا رسول اللّه، صفهم لنا، جلِّهم لنا أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم، قال: “أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم اللّه انتهكوها”[رواه ابن ماجة)
إن حضارة الأمم تتقدم بحضارة الضمير فكلما تقدم الضمير تقدمت الأمم وكلما تأخر الضمير تأخرت الأمم. فأرجو ألا نعقد الدورات التدريبية للموارد البشرية لرفع كفاءتهم الوظيفية فحسب. بل علينا أولا أن نعقد لهم دورات تدريبية لرفع كفاءة الضمير عندهم.

الكاتب dar

dar

مواضيع متعلقة

اترك رداً